الشريف المرتضى / علي بن أبي الفتح الإربلي / محمد بن دانيال

رسالة الطيف لابن دانيال 109

رسائل طيف الخيال في الجد والهزل

/ [ 143 / أ ] بسم اللّه الرحمن الرحيم قد أجبت أيها الأستاذ البديع والماجن الخليع ، والأستاد المعلم ، والمنطبع المترجم ، سؤالك الثالث ، وخضت معك خوض الحارث وارتحلت لك هذه البابة ، كرما للإجابة ، وضمنتها طرفا من أخبار المحبّين . وطرفا من الغزل الذي هو السحر المبين ، وطرفا من الملاعيب ، وطرفا من المجون ، العجيب الغريب ، فإذا دعيت إلى مجلس صدر من صدور أهل / [ 143 / ب ] الزمان فأجلي وغني في أصفهان شعرا : قل لسادات الزمان * لا برحتم في أمان وبقيتم في سرور * ما تبقّى النيّران ثم يخرج شخص قد هيجه الغرام ، وأذابه الأرق « 1 » حتى نحل جسمه ورقّ ، فيبكي بانتحاب ويتأوه باكتئاب ، وينشد ويقول : أهل الغرام تجمعوا * وتوسلوا وتخضعوا دقوا لأبواب الإجابة * بالدعاء لتسمعوا / [ 144 / أ ] موتوا تعيشوا في الهوى * وتمزقوا وتفطحوا وخذ حديث متيم * عن من سباه أودعوا

--> ( 1 ) ظاهرة النحافة أو النحول تصاحب عادة نوعين من الناس ويجمعها خط واحد وإن كانا متباينين ألا وهو الحب والصنفان هما العباد والعشاق . فهذان النوعان من الناس تراهما دائما ذابلين صامتين رقيقين مذر في الدمع مرهفي الحسّس منخفضي الصوت معتزلي الناس في حالة شرود أو غياب عن واقع الناس مستغرقين في عالمهما شبه غائبين عن الوعي في حين أنهما متعمقان فكرا فيما يشغلهما فلا هما بدنيا الناس منشغلان ولا لحطامهما ناظران ولا آملان ولا عنها سائلان ولا بأخبار غيرهم مهتمان ملك عمرو أو هزم زيد إنما همهما من تعلق به قلبهما ، وإن حاولت أن تقتحم عليهما عزلتهما أو تدخل عليهما عالمهما أخرجاك سريعا بكلمات قليلة ، إما بعدم المبالاة أو يجيبك أحدهما إجابة مسكته أو تريحك أو يشعرك ببلهك أو بلهه ليلهيك عنه بما يشغلك لتترك له ما هو فيه ينعم به أو يغمه . فهما لا ينامان إذا نمنا ولا يفرحان إذا فرحنا ولا يحزنان إذا حزنا فهما إنسانان لا إنسانان وآدميان هما كتلة من مشاعر مرهفة حساسة ، ولو دخلنا عالمهما وسمحا لنا أن ندخل لوجدنا شخصين رقيقين هادئين ناعمين مرهفين لينين طيبين خيرين جوادين مضحيين نبيلين كريمين باذلين لأغلى ما يملكان في كرم لا نظير له . ولو سمعنا لكلامهما لظن الكثير منا أنهما مجنونان وما بهما من جنون ما بهما إلا الحب الحقيقي الصافي الخالص النقي هذا في مجاله وذاك في مجاله جعلنا اللّه ممن يحبه وينشغل به آمين .